المناوي
289
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
ولمّا خرج صلاح الدين لقتال الفرنج ، جاء لوداعه ، فالتمس منه أمورا من المكس ليبطلها فأبى ، فقال له : قم لا نصرك اللّه ، ووكزه بعصاه ، فوقعت قلنسوة السّلطان عن رأسه ، ثم توجّه للحرب فكسر ، وعاد للشيخ وقبّل يده . وكان تقي الدّين عمر بن أخي السّلطان له مواضع يباع فيها المزر « 1 » ، فكتب الشّيخ للسّلطان : عمر لا جبره اللّه يبيع المزر فقال السلطان لعمر : لا طاقة لنا بالشّيخ ، ترضّاه . فركب إليه ، فقال له حاجبه : قف بباب المدرسة حتّى أسبقك وأوطّئ لك . فدخل ، فقال : تقيّ الدين يسلّم عليكم . فقال : بل شقيّ الدين ، لا سلّم اللّه عليه . فقال : إنّه يعتذر ، ويقول : ليس هناك مزر . فقال : يكذب . فقال : إن كان هناك موضع مزر فأرناه . فقال : ادن . فأمسك ذؤابتيه ، وجعل يلطمه على وجهه وخدّيه ، ويقول : لست مزّارا فأعرف مواضع المزر . فخلّصوه منه ، فقال : فديتك « 2 » بنفسي . وعاش عمره رضي اللّه عنه لم يأكل من وقف المدرسة الصّلاحيّة لقمة ، ولا أخذ من مال الملوك درهما . ودفن في الكساء التي صحبته من خبوشان ، وكان بمصر رجل تاجر من بلده يأكل من ماله . ودخل القاضي الفاضل وزير السّلطان لزيارة الشّافعي رضي اللّه عنه ، فوجده يلقي الدّرس على كرسيّ ، فقعد على طرفه ، وجنبه إلى القبر ، فصاح الشّيخ فيه : قم ، ظهرك إلى الإمام ! فقال : إن كنت مستدبره بقالبي فأنا مستقبله بقلبي . فصاح فيه أخرى ، وقال : ما تعبّدنا بهذا . فخرج وهو لا يعقل . ومن كراماته : أنّ ابن أبي حصيبة مدحه بقصيدة سأله « 3 » أن يجعل جائزته دعوة لابنة له
--> ( 1 ) المزر : نبيذ يتخذ من الذرة ، وقيل : من الشعير أو الحنطة . النهاية ( مزر ) وكأنه يشبه ( البيرة ) . ( 2 ) في الأصول : فديت . والمثبت من طبقات السبكي 7 / 17 . ( 3 ) في المطبوع : بقصيدة وجعالة .